فِي زَمَانِ كَانَ وَلَمْ يكن
حِكَايَة مَوْجُودَةٌ متلاشية
لَمْ يَسْبِقْ لِأَحَدٍ أَنْ رَوَاهَا أَو سمعها
فِي يَوْمِ مُمْطِرٌ وَصَوْت الرَّعْد يجلجل الْمَكَان وَأَنْوَار البَرْق تجدح كالشرر
كَانَتْ هُنَاكَ فَتَاة صَغِيرَة تَبْلُغَ مِنْ الْعُمْرِ ثَمَانِي سنوات
تُحِبّ اللَّعِب تَحْت زخات الْمَطَرِ لَا يخيفها البَرْق والرعد
تُشْعِرُ أَنَّهَا سَقَطَتْ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ غيمة
وَأَنَّ ذَلِكَ البَرْق وَالرَّعْد أصْدِقَاء طفولتها
وَحَيَاتِهَا السَّابِقَة قَبْلَ وُقُوعِهَا عَلَى الأرض
وَهِيَ فِي أوْجِ مرحها صعقها البَرْق بِقَلْبِهَا فتهاوت عَلَى الأرض
وَفَقَدَت الْوَعْي بِالْكَامِل وَفِي تِلْكَ الْأَثْنَاء لم يفتقدها أَحَدٌ لأنها دَائِمًا تَحَمَّلَ مَسْؤُولِيَّةَ نَفْسِهَا وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهَا ، وماهي إلَّا لَحَظَات قَلِيلِه
تستفيق وَلَكِنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ تُشْعِر بِالْألام فِي صَدْرِهَا ، فتهم لتفحص نَفْسِهَا وتطأطى رَأْسِهَا وَتَنْزِل عيناها لِمَكَان الْأَلَم ، وَتَرْتَعِد مِنْ هَوْلِ مَا رأت
لَقَد احْتَرَق جُزْءًا مِنْ ثَوْبِهَا وَكَشَفَ عَنْ صَدْرِهَا الَّذِي تَحَوَّلَ إلَى جِسْمٍ شَفَّافٌ كَلَوْح زُجاجِيٌّ يَكْشِف قَلْبُهَا وَهُو يَخْفِق مَا بَيْنَ هُبُوطٌ وَارْتِفَاع ، خَشِيت أَنْ تُخْبِرَ أَحَدًا فَاسْتَقَامَت بِصُعُوبَة وَذَهَبَت لغرفتها وَارْتَدَّت ثَوْبًا آخَرَ وتخلصت مِن ثَوْبِهَا الْمُحْتَرِق ودخلت لسريرها وَهِي مشدوهة الْفِكْر وَعَلَامَات التَّعَجُّب وَالْخَوْف تتماها عَلَى معالمها ، وَعَيْنَاهَا مشخصتان لم يرف لَهُمَا طَرَف وَبَقِيَتْ عَلَى هَذَا الْحَالِ حَتَّى عَمَدْت الشَّمْسِ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةَ أغمضت عَيْنِهَا ،
وَحِين اسْتَيْقَظَت مِنْ النَّوْمِ كَانَتْ تَظُنَّ أَنَّهُ حَلَم رَأَتْه بِالْمَنَام وتفحصت قَلْبُهَا وَإِذَا بِهَا تَرَاهُ مِنْ خَلْفِ ذالك الزُّجَاج يَخْفِق بأوردته وشرايينه ، وذهلت أَنَّهَا لَمْ تَحْتَرِق وَلَكِن فَقَط تَحَوَّل صَدْرِهَا إلَى باترينه عَرَض لِقَلْبِهَا ونبضاته ، لَمْ تَقُلْ لِأَحَد وَقُرِرْت أَنْ تَبْقَى ذَلِكَ الْأَمْرِ سِرًّا ، كَبِرَت الفَتَاة وَكَانَت رَفِيقِه لِقَلْبِهَا تَرَاه كُلَّ يَوْمٍ وتنصت لَه وَتُفْهَم كُلُّ مَا يَدُور دَاخِلُهُ مِنْ مَشَاعِرِ وَالْأُلام وَأحْزَانٌ ، كَانَت تُشَاهَد وِلَادَة مَشَاعِرُه فِي لحظاتها الْأُولَى مِنْ الْحَيَاةِ حَتَّى لحظاتها الْأَخِيرَةِ مِنْ الِاحْتِضَار ، كَانَتْ تَارَة معزية لَه وَتَارَة مهنئة وَتَارَة تَبْعَث لَه الْقُوَّةِ بَعْدَ أَنْ يُرْهَق مِنْ عُقُوقٍ أَبْنَاءه ، ذَلِكَ الْقَدْرِ الَّذِي أَصَابَهَا ببرقه وَجَعَلَ مِنْ قَلْبُهَا بواجهة زجاجية مَيَّزَها عَنْ الْكَثِيرِ جَعَلَهَا مُخْتَلِفَةٌ بِالشُّعُور أَبْعَدِهَا عَن مساحات الْعَقْل فَهِيَ كَانَتْ تَحْرِصْ عَلَى مُرَاعَاةِ ذَلِكَ الْقَلْبُ الَّذِي تَرَى بِأُمّ عَيْنَيْهَا إنكساراته فتخشى عَلَى قُلُوبِ الأخرين
كَانَت تتفهم الألَمِ والحُزْنِ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شُعورُ آخَر لِأَنَّهَا اخْتَبَرْت مَاهِيَّة تِلْك الْمَشَاعِر وَلَكِنَّهَا تُشَارِكَ فِي مَشَاعِر السَّعَادَة وَلَكِن تَجْهَل مَاهِيَّتِهَا وَلَم تَرَى مَظَاهِر ذَلِك الشُّعُور عَلَى قَلْبِهَا مُنْذ أَنْ أُصِيبَ بِالبَرْق ، كَانَت حَرِيصَةٌ عَلَى تَنْفِيذِ مَا يمليه عَلَيْهَا قَلْبُهَا وتسكت عَقْلِهَا دَائِمًا وَحِين يَعْتِب عَلَيْهَا عَقْلِهَا ويتهمها أَنَّهَا لَا تُحِبُّه وَلَا تَهْتَمَّ بِه كقلبها كَانَت تُجِيبُه أَنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ الْعَيْش وَهِي تُؤْذِي قَلْبُهَا سَتَمُوت أَلْفَ مَرَّةٍ إنْ أصغت لقراراته الَّتِي هِيَ قَرَارَاتٌ صائبه وَلَكِنَّهَا مُجَرَّدَةً مِنْ الْمَشَاعِرِ مِنْ الْإِحْسَاسِ ' قراراتك يَا عَقْلِيٌّ أَنَانِيَّة تحبّني أَنَا لشخصي لذاتي وَأَنَا لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَنَانِيَّة الشُّعُور , كَانَ الْعَقْلُ يُعْلِمُ أَنَّ تِلْكَ الفَتَاة لَا يُمْكِنُ لَهَا الْعَيْش بَعِيدًا عَنْ مشاعرها لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ حَيَّة دُونَ أَنْ تَقَرَّرَ وَفْق عَاطِفَتِهَا الَّتِي لَمْ تهديها سِوَى الْآلَام فَفِي أَعْمَاق ذَلِك الْقَلْب تَتَكَاثَر الْقُلُوب الصَّغِيرَةِ الَّتِي تَنْتَمِي لِمَن زرعتهم هِيَ فِي رُوحِهَا فَقَلّبَهَا يَنْبِض بِهِم ولهم
وَبَعْد سَنَوَات طَوِيلَةٍ مِنْ مرافقتها لِذَلِكَ الْقَلْبِ وإنصاتها لمشاعره والتدخل فِي كُلِّ كَبِيرَةٍ وَصَغِيرَةً فيه
أرْهَقَهَا كَثِيرًا وأستسلمت وأسدلت السَّتَّار بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ لِكَيْ لاَ تَرَاهُ وَوَضَعَه السماعات فِي أُذُنَيْهَا تُسْتَمَع وبأعلى دَرَجَة صَوْت للسكون ، لِكَيْ لاَ تُسْمَعُ طُرُق تِلْك الْمَشَاعِر على ذلك الزُّجَاج لِاسْتِدْعَائِهَا ، انْزَعَج الْعَقْلِ مِنْ تِلْكَ الجَلَبَة وَبَدَأ يَتَحَدَّث مَعَهَا وَلَكِنْ أَيْضًا لَا تَسْمَعَه فعطل خَلَايَا السَّمْع لِكَي تَنَصَّت لَه ، وترجاها أَن تَنَصَّت لَه ، فَوَافَقَت عَلَى سَمَاعِهِ فَقَالَ لَهَا مَاذَا يُحَدِّث لِمَاذَا تتركين قَلْبِك وَحِيدًا بَعْدَ كُلِّ تِلْكَ السِّنِينَ؟؟
صَرَخَت بِوَجْه ذَلِكَ الْعَقْلُ لَقَد تَعِبَت . . . . . تَمَنَّيْتُ لَوْ أَنِّي لَا أَمْلِكُ ذَلِك الْقَلْبِ وَلَا أَفْقَهَ لُغَة الْمَشَاعِر
تَمَنَّيْتُ أَنِّي مِتّ حِين صعقت أَوْ أَنَّ قَلْبِي تَحَوَّل لكتلة حَجَرٌ صَلْدٌ لَا تَتَلَاعَبُ بِهِ رِيَاح الْمَشَاعِر يَمِينًا وَيَسَارًا ، تَعِبَت مِنْ خَوْفِهِ مِنْ أَيِّ شُعورُ يَعْتَرِي، تَعِبَت مِنْ تَحْلِيلِهِ وَتَعْلِيلُه لِكُلّ نَبْض لِمَاذَا؟ وَكَيْف! ولايجب؟! وَأَخْشَى!! وَأَخَاف! وَأَقْلَق ، تَعِبَت مِنْ جِلْدِهِ لِنَفْسِه وَكَسْرِه لشغافه وجرائمه الَّتِي لَا تُغْتَفَرُ بِقَتْل مَشَاعِرُه ،
لِمَاذَا لَا يَدَعُ تِلْك الْكَائِنَات تُمارس فَتْرَة بَقَائِهَا بِهِ وتعيشها بِهُدُوء فَهِي سترحل عَاجِلًا أَم أَجَلًا
لَمْ أَكُنْ أَنَا الَّتِي جُعِلَتْ مِنْ نَفْسِي رُوحًا تمتلكها الْعَاطِفَة وَيُحَرِّكُهَا الشُّعُور، وتدفعها الأحاسيس لأِمَاكِن وَعْرَة ،
لَقَد وَجَد اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ الْأَمْرِ وَقَدَرَ أَنْ أَكُونَ كَذَلِكَ وَلَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُعَوِّدَ الْقَلْبِ عَلَى التجاهل عَنْ كُلِّ مَا يَعْتَرِيهِ مِنْ نبضات ، أُرِيدُه أَنْ يَعِيشَ بِسَلَام فَمَا يَتَعَرَّضْ لَهُ مِنْ مَشَاعِرِ بِكَافَّة أَنْوَاعِهَا هِيَ إرَادَةُ اللَّهِ لَهُ لَن يُغَيِّر قَلِقَةٌ وَخَوْفِه وَتَفْكِيرِه الْمُسْتَمِرّ مِنْ الْأَمْرِ شَيْئًا لَن يُخْتَصَر الْوَقْتِ بَلْ يُطِيلُه فإنتظار أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ شُعُورِ أَوْ أَنَّ يَلْتَقِيَ بشعور هُوَ فَقْدُ لِحَيَاتِه وَهُو مُتَواجِد فِيهَا ، أَسْأَلُهُ هَلْ شَعَرَ أَنَّهُ يُمَارِس الْحَيَاة طِوَال ذَلِكَ الزَّمَنِ الَّذِي أَهْدَرَه بِالْخَوْف وَالْحَذَر سيجيبك لَا لِذَلِكَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ التجاهل وَهُوَ صَعْبٌ فِي الْبِدَايَةِ وَهُو تَطَبَّع سيغلبه طَبْعِه كَثِيرًا وَلَكِنَّ عَلَى الْأَقَلِّ يُرِيح نَفْسِهِ مِنْ فَتْرَة لِفَتْرَة رُبَّمَا يَعْتَاد تِلْك الرَّاحَة وينتهجها مَا تَبَقَّى لَهُ مِنْ نبضات ،
ومازالت تِلْك الفَتَاة تُحَاوِل تَقْوِيم ذَلِك الْقَلْب ومشاعره علها تَنَعَّم هِيَ الْأُخْرَى بِالرَّاحَة وَالسَّلَام ، فالأصدقاء قُلُوبِهِم متعبة دَائِمًا مِنْ وفاءهم لِتِلْك الصَّدَاقَة .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق