حِلْمِي اخْتَار الْوَحْدَة وَأَعْلَن هزيمته
ذَهَبْتُ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ الَّذِي إخْتَارَهُ حِلْمِي لِيَكُون حِصْنِه الْحُصَيْن
اقْتَرَبَت مِنْه رَأَيْت كوخاََ بَسِيطًا فِي واجهته عَلِقَت آلَاف الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ والنَّادرَة ذهلت مِن مَنْظَرِهَا الْمُرَتَّب، وَمَن عناوينها المتسلسلة الَّتِي تَرْوِي آلَاف الْأَعْمَار وتختصر الْحَيَاة بِجَمِيع صنوفها، وَحِين كنتُ مَأْخُوذَةٌ بِقِرَاءَة العناوين فَتَحَ الْبَابَ
وَرَأَيْت حِلْمِي مُنْكَسِرٌ وشاحب اللَّوْن وَكَأَنَّه شَاخ بفترة زمنية قَصِيرَةً جِدًّا، أَحْزَنَنِي مَنْظَرُه الْحَزِين وذبول عَيْنَيْه وحشرجة صَوْتَه فَدَخَلْت وَجَلَسَت صَامَتْه
فَقَط نَظَرِة لعينيه وَبَدَأ كلانا بِالْكَلَام الصَّادِق الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ السَّمْع وَالنُّطْق إحتواءه وَتَفْسِيرُه لِمَا يَحْتَوِيهِ مِنْ مَعْنَى
مَاذَا أَقُولُ ؟ وَكَيْف أَبَدًا ؟
هَل أعتابك عَلَى حَالِكِ ؟
أَم أعاتب نَفْسِي عَلَى ولادتك ؟
أَنَا مِنْ سَقَاك أملاً وأطعمتك مِنْ قَلْبِي صِدْقًا ؟
أَنَا مِنْ أوقعتك فِي بِئْرٍ الأمنيات الْمُسْتَحِيلَة وَأَمِنَت إِنَّك ستخرج مِنْهُ كَمَا خَرَجَ سَيِّدِنَا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ،
هَل أَوْقَع اللَّوْم عَلَيْك ؟
أَمَّا عَلَى تِلْكَ الرُّوحُ الَّتِي أَخْرَجْتُك لِلنُّور بَحْثًا مِنْهَا عَنْ حَلَم يماثلك يُبْحَث هُوَ الْآخَرُ عَنْك، أجبني مَاذَا أَقُولُ وَقَدْ خُضْت الْمَخَاض مَعَك، وَقَبْلَك، وبعدك، وَلَكِنِّي لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَكُونَ مِثْلَك وَاسْتَسْلَم لِلْحَيَاة لِأَنّ قَلْبِي هُو الْحَيَاة لِقُلُوب أُخْرَى تَنْكَسِر إذَا تَحَطَّمَت وَأَغْلَقْت الْأَبْوَابِ فِي كُوخ تَمِلأه الْمَبَادِئ الرّثّة
الَّتِي لَا تَعْنِي سِوَى لكلينا، أَنَا مِنْ رَتَّل أهَازِيج الشُّعَرَاءُ عَلَى مسامعك مُنْذ كُنْت بَذْرِه فِي عُمْقِ قَلْبِي،
أَنَا مِنْ أُخذَتْ تَحْكِي لَك الْقَصَص وَالْأَمْثَال وَالرِّوَايَات لِكَي أَصْنَع مِنْك حِلْمًا مُخْتَلَفًا فِي مَضْمُونَةٌ أَنَا مِنْ أَمَّنْت بِأَنَّك ستصل مبتغاك بِالوُضوح بالعفوية بِالصِّدْق وَلَكِن نَسِيَت وَحْشِيَّةٌ الْوَاقِعِ مِنْ ياترى لَهُ الْحَقُّ أَنَّ يَنْدَمَ أَنَا أُمُّ أَنْتَ! لَا ذَنْبَ لَك سِوَى أَنَّكَ خَرَجْتَ مِنْ رَوْحِ خطيئتها الْإِخْلَاص لِلْكَلِمَة وللشعور
جَاء دُور الْحِلْم وَبَدَأ البَوْح : لَم تطلبي الْكَثِير وَلَسْت مُعْجِزَة يَصْعُب تَحْقِيقِهَا، أَنَا بَسِيطٌ جِدًّا كَان الصِّدْق وَالْإِخْلَاص وَالْوَفَاء وَالْوُضُوح وَالْحَقّ وَالْعَدْل هُمَا متنفسي
كَان غِلَاف كِتَاب يحتويني وصفحات تؤنسني وَكَلِمَات تَخْرُجُ مِنْ الْقَلْبِ يُعِيدَ إلَيّ نبضات الْأَمَل وَتَحَوَّل شحوبي إلَى رَبِيع كُنْتُ وَاضِحًا كَمَا أَخْرَجْتَنِي مِنْ رُوحِكَ كَشَمْس تسطع لِلْجَمِيع، لَم أَكْذِبَ عَلَى نَفْسِي، حَاوَلَت الثَّبَات ومنحت جَمِيع أَرْصُدُه الْأَعْذَار، أَسْرَفْت بِالصِّدْق وَأَعْلَنْت إفلاسي مِنْ جَمِيعِ لَحَظَات الْقُوَّة والتقوى، لَمْ أَكُنْ صَعْبًا وَكَبِيرًا لَكِنِّي كُنْت بَرِيئًا لَا يُعْرَفُ التَّلَوُّن فَكَانَتْ كُلُّ الْأَلْوَان تَسْخَر مِنِّي لِأَنِّي أَبْيَض كالغيوم الَّتِي تتبخر مِنْ أَجْلِ إحْيَاء أَحْلَام أُخْرَى تؤْمِن بِنَفْسِهَا وَتَجِد مِن يُشْبِهُهَا فدعيني اِسْتَسْلَم مِنْ تِلْكَ الْمُبَادِي مِنْ كَلِمَاتِ الشُّعَرَاءُ مِنْ رِوَايَاتٍ الْكِتَابِ، مِنْ شَخصِيَّات الْخَيَال، مِنْ بُيُوتِ الْقَصِيدَةَ الَّتِي كُنْتَ أَتَمَنَّى أَنْ أَسْكَن فِيهَا وَأَخْلَد فِي كِتَابِ يحتويني فيكون غِلَافِه سمائي، وَأَرْضِه فصولي، و صَفَحَاتِه أيامي، وكلماته نهاري وَلِيَلِي عِبَارَاتِه، ونبضات قَلْبِي مَشَاعِرُه وأحاسيسه لَمْ أَكُنْ صَعْبِ الْمَنَالِ لِذَلِك شَعَرْت بِمُهَانَة الْبَقَاء لِذَلِك جَلَسَت هُنَا فِي
زاويتي الْمُفَضّلَةُ عَلَى رُكْنِ فِي رُفُوف مكتبه الَّتِي عَاشَت الأحلام فِيهَا في قُلُوبِ الْكُتُب وَالْقَصَائِد، عَلَنِي أَسْعَد نَفْسِي بِجِوَارِي لحلم يُشْبِهُنِي حَقَّق أُمْنِيَّتُه الْبَسِيطَة
ياحلمي الصَّغِير الْكَبِير مَكَانَك لَيْسَ هُنَا مَكَانَك بِقَلْبِي سأعيدك إلَيْه لتحيا دُون خِذْلَان وسأضمك بَيْن ضُلُوعِي وَلَن تُشْعِر بصقيع الْخَوْف والهزيمة ، أَنَا مِنْ أَخْرَجَك مِنْ هُنَاكَ لأمنحك عَالِمٌ تَوَهَّمْت وُجُودِه لَكِنِّي صَدَمَت مِن ضِئالَة الْقُلُوب وَالْمَشَاعِر وَعُقُول الْبَشَرُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَد أَنْ يعطيك حَقَّك وَيفْهَم غايتك ويتفهم شعورك لِأَنَّهُم يُفَسِّرُون كُلِّ شَيِّ وَفْق مبادئهم وغاياتهم لِذَلِكَ لَا يضيرك ذَلِكَ يَا صغيري فالعودة لِلْوَطَن بَعْد الِاغْتِرَاب كعودة الْمَيِّت لِلْحَيَاة فابتسم لَا أَحَدَ يَسْتَحِقُّ أَنْ تذبل أَيَّامِك وتزهق رُوحَك
مِنْ أَجْلِهِ مِنْ أَعْطَاكَ فَأَكْرِمْه وَمَن خذلك فمضي وَلَا تَلْتَفِتْ وَكُن وَاثِقًا مِنْ نَفْسِك وَلَا تَسْمَحُ لَهُمْ يكسرك ولاتحعل النَّاس وَالْحَيَاة هُم الْمِقْيَاس لِذَاتِك بَلِ اجْعَلْ ذَاتِك هِي مقياسك،
أَنْتَ عَلَى صَوابٍ فَلَا تَكْتَرِث لِمَن رِمَاكٌ بِالْخَطَأ وألبسك وَحَلّ ظُنُونَه، كَمَا أَنَّ لِكُلِّ ثَمَرَة موسمها كَذَلِك لِكُلّ حَلَم وَقْتِه وَفَصلِه وَإِنْ كَانَ الْفَصْلُ الْأَخِيرِ فَالْأُمُور أَجْمَل بِخَوَاتِيمِهَا.










