الثلاثاء، 23 فبراير 2021

الصقر الحر!!!



 كَانَ الْحَبُّ المحدود بوجهه الخاص وليس العام فِي حَيَاتِي كَالصَّقْر الحر فِي كَبِدِ السَّمَاءِ الَّذِي يَعْشَق حُرِّيَّة خَيَالُه لِأَنّ رَاحَتِه تَكْمُن بِعَدَم إنتماءه لَوَاقِعٌ أَرْضَى 

كُنْت فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ سَعِيدَة بِهَذَا الشُّعُور متزنه ومتماسك قَوِيَّةٌ مُطْمَئِنَّةٌ ، كَانَتْ كُلُّ أُغْنِيَّة حُبّ لِي وَكُلّ مَحْبُوبَةٌ أَنَا وَكُلّ وَرَدَّه تَتَمَنَّى قُرْبِي وَكُلّ عُصْفُور يغرد مِنْ أَجْلِي وَكُلّ غَيْمُه تُسَلِّمُ عَلَى وَكُلّ قَطْرَة نَدًى تَعْكِس لُمْعَة أحداقي كل نجمة تغبطني لحب القمر  كُنْت جُزْءًا مِنْ قَصَصِ الْعِشْق مِن بِدَايَتُهَا الَّتِي لَمْ تُذْكَرْ حَتَّى نِهَايَتِهَا الَّتِي لَمْ تَأْتِي ، كَانَ ذَلِكَ الصَّقْر ذَكِيًّا لَا يغريه طَعْمٌ الكمائن و الأفخاخ ، يُعْلَمُ أَنَّ نِهَايَتِه تَكْمُن فِي هُبُوطِه عَلَى أَرْضٍ وَاقِعِيَّةٌ لِأَنَّ كُلَّ مافي الْأَرْض مُتَغَيِّر لَا يَدُومُ يَضْعُف وَلَا يَهَبَ الْقُوَّة ، يَسْلُب وَلَا يَمْنَح ، وَإِن حُدُوث عَكْسُ ذَلِكَ مَحْضُ مُغامَرَة مُجَازَفَةٌ بِرُوحِه لِذَلِك اُكْتُفِي بِيَقِينِه أَنَّ فِي الْأَرْضِ فِنَاء رَاحَتِه ، ذَلِك الصَّقْر يَعْلَم جَيِّدًا أَنَّهُ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِلْحَيَاة عَلَى أَرْضٍ وَاقِعٌ فأحاسيسه مُخْتَلِفَةً وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْنَح وَلَا يَأْخُذُ سِوَى مَنْ الطَّبِيعَةِ لَكِن الْحَيَاةِ لَمْ تَتْرُكْ ذَلِكَ الصَّقْر وَشَأْنُه كَانَت تَسْتَكْثِر عَلَيْه سَعَادَة الْخَيَال وَرَاحَة الْبَال وَطُمَأْنِينَة النَّفْس أَخَذَت تَضَيَّقَ عَلَيْهِ الْخِنَاق أَكْثَر وَأَكْثَر ، ومِنْ بَعيدٍ رُمْت عَلَيْهِ سَهْمُ الْأَقْدَار كَان متجولا دُون خَشْيَة فِي مَكَان غَيْرِ مَأْهُول بِمَن يَطْمَع بِصَيْدِه فَالْكُلّ مَشْغُولٌ بِأَعْمَالِه وَأفْكَارِه وَحِين هَبَطَ عَلَى ضِفاف نَهْر شَفَّافٌ الْوَجْه تَأَمَّل مَعَالِمَه المنهكة مِنْ الْخَوْفِ مِنْ السُّقُوطِ، مِنْ فِقْدَانُه لتوازن أَجْنِحَتِه مِنْ ذَلِكَ الْعَمْرِ الّذِي قَضَاهُ حالَما مِنْ قِمَّةِ لُقْمَة بَعِيدًا عَنْ الْكُلِّ رَغِم رَأَيْته لَهُم ، تَعَمَّقَ فِي عَيْنَيْهِ شَعْر بوخزت فِي قَلْبِهِ وماهي إلَّا لَحَظَات هُم بِالتَّحْلِيق لَكِنَّه وَقَع تَسَائل مَاذَا حَدَثَ لِي وَإِذ بِمِخْلَبِه عالقا بِحَبْل أَرْضِي حَاوَل الْفِكَاك لَكِنْ دُونَ جَدْوَى أمسكته الْحَيَاة وَدُفِنَت أَجْنِحَتِه وَجَسَدُهُ فِي صَدْرِ التُّرَاب لِكَيْ لاَ يَفُور الدَّم بِعُرُوقِه وَيَتَفَجَّر قَلْبِه ، لَكِنْ لَمْ يَهْدَأ ذَلِك الصَّقْر كَانَ دَمُهُ يَغْلِي فِي عُرُوقِ أفكارك لَكِنْ لَمْ يَنْفَجِر نَبْضِه ، أَحْرَقَتْه تساؤلات لِمَاذَا ؟ وَكَيْف ؟ وَلَمَّا ؟ 

تَمَنَّى الْخَلَاص لَكِنَّه مُكَبَّلٌ وَمَسْجُون بأحضان ذَلِكَ الصَّدْرُ نَظَرٌ لِلسَّمَاء بِحَرْقِه ثار  بُرْكان الْحُنَيْن وَالشَّوْق لِحُرِّيَّتِه لِسَلَامِه لِجَمَال حَيَاتِه وَطُمَأْنِينَة شُعُوره ، لَمْ يَكُنْ حَاقِدا عَلَى ذَلِكَ الْخَيْطِ الْأَرْضِي لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ سِوَى سَبَبًا لَكِنَّهُ كَانَ حانقا غاضِبا مُعَاتِبًا صَدْر التُّرَاب لِمَاذَا لَا يَتْرُكُهُ يَرْحَل لِمَاذَا يَتَشَبَّث بِهِ وَإِنْ كَانَ بحنو وَخَوْفٌ عَلَى حَيَاتِهِ الَّتِي ماعادت حَيَاة ! ! وَلَكِنْ كَانَ هُوَ مِنْ يُحَرِّمْه الرَّاحَة تَكَاثَرَت هُمُومِه تَصَارَع مَا بَيْنَ قَلِقَةٌ وَخَوْفِه وحيرته حَدَث ماكان يخشي تَوَسَّل لِصَدْر التُّرَاب أَرْجُوك أَعْتَقَنِي لَكِنَّ ذَلِكَ الصَّدْرُ كَانَ مُشْفِقًا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ حَتَّى إنَّ حَرَّر مِنْ بَيْنِ أحضانه لَن يَعُود لِتِلْك الْحُرِّيَّة الَّتِي يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ سينالها لِمُجَرَّد تَحْرِيرِه لِأَنَّ ذَلِكَ الْخَيْطِ عَلَّق بِمِخْلَبِه وَإِنْ طَالَ وَتَرَكَه يَرْتَفِع عُلُوًّا شَاهِقًا فَهُو يَسْتَطِيعُ أَنْ يُسْقِطَهُ أَرْضًا فِي أَيِّ وَقْتَ يَشَاء، فهو يجهل ما سلب منه! 

‏" ربّما لم يكُن شيئًا مهمًا بالنسبة لكِ أيتها الحياة لكنه كان قلبي "

‎#محمود_درويش، 

سَكَن الصَّقْر فَقَدَ شَعْرَ بِحَدِيث صَدْر التُّرَاب الصَّامِت 

اِسْتَكان لِمَصِيرِه تَمْتَم دَاخِلٌ أَعْمَاقِه لِلْمَوْت وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ 

حِينَ يَمُوتُ الْحِلْم فَلَا طائل  من  مَا تَبَقَّى فَلْيَكُنْ مَا يَكُونُ فَلَن اِكْتَرَث فَقَد خَسِرْت ذَاك الْعَالِمِ الَّذِي كُنْت سَابِقًا فِيهِ وَمِنْ الْغَيْرِ مُمْكِنٌ الْعَوْدَة للوراء ، سأعتاد الْقُيُود وسأنفذ أَوَامِر ذَلِكَ الْعَقْلُ وسألغي وُجُود الْخَيْط وَكَأَنَّه غَيْرَ مَرْئِيٍّ رُبَّمَا بِذَلِك أَسْتَطِيعُ أَنْ لَا أَشْعُرُ بِأَنِّي لَا أَشْعُرُ ! فقد أصبت بالصميم! و

‏" كلُّ من أُصيبَ بغير قلبه مُعافىً !"

‎#محمود_درويش

بَعْدَ أَنْ اسْتَسْلَمَ الصقر حِين خَسِر كَرَامَتِه بِالْأَسْر بِصَدْر التُّرَابِ فَقَدْ بِذَلِك قُوَّة رُوحَه اِنْطَفَأ فتساوي بِعَيْنِه الْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ ، السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، النُّور والظلام ، تَحَوَّلَت أَجْنِحَتِه لسياط تَجَلَّد ذَاتِه لِأَنَّهُمَا يذكرانه بِعَجْزِهِ عَنْ التَّحْلِيق وَعَن حُرِّيَّتِه الْمَسْلُوبَة ! ! 

كَان يَسْتَعْمِل تلك الأجنحه  فَقَطْ بَعْدَ أَنْ يَأْمُرَهُ الْعَقْل لِيَنْتَقِل مِن وَعِيّ لِآخَر وَلَكِنْ بَعْدَ أَنْ فُقِدَ وَعْيِه بِنَفْسِهِ هُوَ الْمَيِّتُ الْحَيِّ الَّذِي يُذْكَرُ مَعَ الْأَمْوَات وَيَبْكِي عَلَيْهِ وَمَعَ الْأحْيَاء فيشفقون عَلَيْه وَيُشْفِق هُوَ عَلَى نَفْسِهِ ! 

كَمْ هُوَ مُوجِعٌ خسارتك لِمَكَان لَم تُتَوَقَّع يَوْمًا إنْ تخسره ! ! 

لِأَسْبَاب خَارِجَةٌ عَنْ إرَادَتُك وَحَتَّى تِلْكَ الْأَسْبَابِ لَمْ تَتَعَمَّدْ تَغْيِير موقعك ولم تستفد من ذلك التغيير، وَلَكِن وَحْدَها الْحَيَاةُ مِنْ خدعتك بخدعتها المتنكرة عَلَى هَيْئَةِ حَلْوَى ! 

مُوجِعٌ حِينَ تَكُونُ بِقِمَّة الِاكْتِفَاء وتدسك الْحَيَاة هَوْنًا تَحْت تُرَاب الِاحْتِيَاج فَقَط لتكسرك لِتَنَال مِنْ خَيَالٍ قُوَّتِك ! وتمضي بعد أن تنتزع أمانك وسلام روحك! 

رغم أنك لم تطالبها بشي كنت قانع بما صنعت لنفسك من أكسجين يجعلك تبدو حيا، حِين تصمت الْمَشَاعِر فَإِن الْأَيَّام تتماثل وَتَمْر السِّنِين بِلَا جَدِيد 

فمقياس اخْتِلَاف الْأَيَّام يَكْمُن فِي تَنَوُّعِ طَرِيقَة التَّعَاطِي مَع السَّاعَات بالمشاعر والأحاسيس . 

تَوَقَّف الْقَلْبِ عَلَى شُعُورٍ وَاحِد وَالْعَقْلُ عَلَى فِكْرِهِ وَاحِدٍ هُوَ مَوْت حَقِيقِيٌّ أَصْعَب بِكَثِيرٍ مِنْ الْمَوْتِ الطَّبِيعِيِّ الَّذِي يُرِيح الْإِنْسَانِ مِنْ مُعَانَاةِ الشُّعُور .



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق