الجمعة، 27 مارس 2026

ذاكرة الورقه!!

        
         (شجرة الصنوبر صورة الورقة في نسختها الأولى) 

  ورقة بيضاء، لطالما توقفت أمام بياض تلك الأوراق وتملكني شعور غريب من الحزن والحنين والألم،وأشفقت عليها من حبر القلم وخدوشة القاسية على سطحها وملوحة تلك الدموع التي تتسرب فتطبق على أنفاسها وتمزق نسيج قوتها وتجعلها عرضت للتمزق  ، وفسرت لنفسي أنها إحدى المشاعر الميتافزيقية التي أتبناها ولا منطق يستطيع تفسيرها!

دائما كنت أتسائل لماذا تحتضن ألام غيرها في جوفها! 

لماذا حين يلقي الكثيرين حمولة مشاعرهم وأفكارهم تحمل تلك الأمانة دون أن تستثقلها! 

توقفت اليوم وإبتعدت كثيرا عدت لسيرت الورق الأولى. 

نسختها الأولى!! ماضيها وكيف أوصلها زمانها إلى أن تكون مابين دفتين!! 

وعلي أن أنصت لحكاية الورقة كما تفعل هي دائما حين نلجأ إليها في أي وقت وأي مكان! 

دعينا يا ورقتي نتبادل الأدوار؟ 

أريد أن أنصت أنا لك فهل سمحتى لي بالحديث معك!؟ 

الورقة :لم يطلب مني أحد طوال مسيرتي هذا الطلب ولكن أحببت أن أتحدث بدل من أن أنصت! 

وريد :شكرا لك على قبول طلبي هيا بنا نبدأ رحلة الوجدان! 

لماذا تحملين في أعماقك ماليس لك؟

لماذا تسمحين للحبر أن يرسم خطاه على جبين بياضك؟ 

الورقة ::ربما يغيب عنك أنني في سيرتي الأولى كنت شجرة تشدو على اغصانها العصافير وتستريح اليمامات وتمرجح أغصانها الريح ويستظل تحتها البشر ويسردون حكاياهم تارة مفرحة وتارة موجعة، كانت جذوري تسير وتسير الأميال لتوفير ما نحتاج كانت الجذور كذلك الاب الذي يسعى لتوفير الحياة والأمان لأسرته! 

كنت ثابته لا اتحرك ولكن كل ماحولي يتحرك غيوم عصافير بشر، أتعلمين أني كنت أتوق للتحليق ولكني كنت أعلم  أن هذا الحلم مستحيل ومقابل أن يحدث هو  أن أتجرد من حياتي التي هي جذوري!! 

وريد هل رأيتي يوما شجرة تطير؟!! 

وريد :لم أرى حتى الأن ولكن لا شي مستبعد ربما تستطيع الطيران مع جذروها وهي محمولة من طائرة هيلوكوبتر لنقلها من مكان إلى آخر  !! 

 هل أنتِ أيتها الورقة كالبشر يعيش ماضية به ويحن إلية لذلك يبحث عن من يشابه وجعه ليشعر بالانتماء او ربما ليجد ذات الشعور الذي يحمله موصوفا بقلم أخر؟ 

كيف تكونين رفيقة للإنسان وهو سبب تحولك الجذري الذي لا يكون  سهلا بالعادة يصهرك ويدكك ويلوكك ويبصقك وترصك حتى تتساوى فلا تعود كالموج مابين هبوط وارتفاع بل تصبح خط مستقيما تعبرك الأشياء دون أن تبقى بك! 


الورقة :لكل المخلوقات ماضي وحال صارت إلية حتى الجمادات ولكن الفرق بيننا وبينكم أنكم تنسوون احيانا حاضركم بالعيش في ماضيكم وتطلبون مستقبلا جميل دون تقديم اي شي لذلك المستقبل حتى الحضور في الحاضر!! 

وريد :دعينا من منظومة البشر المعقدة اريد أن أنصت لك عن ماضيك عن كيف وصلتي الى هنا وهل الرحلة كانت شاقة ام مرت بك مرور الكرام! 

الورقة :من إعتاد الإنصات لا يستطيع البوح 

كيف أبدأ؟ وعن ماذا أتحدث؟ 

هل أقول لك أني ورقة واحدة ولكني أحمل في نسيجي نهاية أشجار متعددة؟! 

يختارنا البشر لأننا الأكثر لينا وكأن اللين محارب في كل مكان في هذة الحياة لابد أن ينالون منه ويرغمونة على التغير!! 

كنا أشجار نجاور بعضنا بعضا تدور حولنا الفراشات الطيور وتمرجح اوراقنا الريح، تتساقط قطرات المطر علينا لتزيدنا أخضرارا ولتنشر عطر الأرض حولنا وتداعبنا أشعة الشمس ونرى قوس قزح يتوج السماء بعد المطر، لم يتركنا البشر فعادتهم هي أن يستفيدوا من كل شي فتارة يبترون اغصاننا من أجل التدفئة وتارة يجهزون على حياة الكثير منا من أجعل أن يكتب علينا ماليس لنا! 

تبدأ رحلة الموت حين نقطع من وريد الحياة( الجذور) 

ومن ثم يتنزع منا لحاءنا وتكتم آخر أنفاسنا بالماء ويأتي بعدها دور التقطيع لقياسات معينة ويجب أن يتماثل الجميع بنفس القياس ومن ثم توضع علينا مواد تزيل ما يجعلنا أكثر تماسكا ونصهر ويبدل لوننا ومادتنا وندخل في مرحلة التبخير بحيث لايترك بنا قطرة ماء تندي أعماقنا وبعدها نصبح أوراق بيضاء والمحظوظ فينا هو مايتحول إلى كتاب او كراسة رسم او كتاب تدوين يحمل المشاعر الأفكار فبعضنا تكون نهايتة بلا معنى! 

وريد :لم تجيبي على تساؤلي لماذا تنصتين للبشر وهم من سلبوا الحياة منك؟ هل تبحثين بين كلماتهم عن شرح لألم يكتبك بعمق؟ أم  عن إعتذار عما أحدثوه بك؟ 

ورقة :أنا تمام مثل ذلك الانسان يذهب لعزاء انسان لا يعرفه ليبكي ألام روحه  من دون أن يسأله احد لماذا تبكي فالمكان يحمل العذر له! 

في حرائق البشر التي يلقونها في صدري  دفئ يذيب  بعضا من جليد ذلك الحنين، تلك الدموع تذكرني بالمطر وخدوش القلم تذكرني بمخالب العصافير حين تحط على اغصاني جميعها يمنحني ذكري روح حياتي الاولي! 

وريد :أخبريني أيتها الورقة ألا تجدين  شيئا إيجابيا في هذا التغيير سابقا كنت مقيدة بجذورك واليوم تنتقلين من مكان إلى آخر تحملك الكفوف! 

الورقة :أتعلمين ياوريد كم هو مؤلم حين يحملني أحدهم ويجلس تحت شجرة تكون حروفه كالخناجر في صدري، لم أكن أكره الألوان سابقا لكني كرهت الأبيض واشتاق جدا للوني ورائحتي وتربتي وجذوري وحتي لتلك الآفات التي تقتات على لحائي  فألم الجذع لا يساوي وجع الروح ، وإلى المطر الذي يهطل ويزيدني جمالا، اما اليوم فالمطر يغرقني بالحبر فلا أعود صالحة حتى للانصات! 

صمتي ليس رضا ولكن الكلام لن يعيدني لما كنت علية فأخترت أن تكون في نهايتي  فائدة لأحدهم لا اريد أن أكون كتلك الشمعة التي أفنت حياتها في غرفة انسان فاقد البصر! 

وريد :لقد شعرت بأنكِ تحملين ألام تفوق مايخطه البشر في بياضك، كنت أشعر بالذنب حين ألوث بياضك  بسواد حزني و رمادية مشاعري  وأخدش سطحك بألم روحي متغافلة عن وجعك، ولكننا نهرع لك ففيك إحتواء لكل مافي أعماقنا  نخط اوجاعنا بين سطورك لنرى اتجاهها فنجد مخرجا منها. 


أيتها الورقة لا تختلفين عن بعض البشر هناك من يحمل ألم كبيرا ولكنه يحتوى كل من يطرق بابه يجد في تخفيف الام غيره نجاة له فرحة بسيطه ترضيه عن نفسه فمن عجز عن منح نفسه الراحة يجبره منحها لمن يحتاجها و يستحقها 

وهناك من تجبره الحياة على التغير فقط لانه هين لين فيقسو على نفسه ويتغير لشئ لا يعرفه فقط ليحمي نفسة من أذى الحياة والبشر لكنه يبقى باحثا عما كان فلا عودة له هناك ولا يستطيع أن يكون هنا بعد أن انتزع نفسه من نفسه! 

اعتذر منك أيتها الورقة على تقليب مواجعك أحيانا الصمت لا يوجعنا بل الحديث عن اسباب ذلك الصمت ولكن صدقيني أن الأرواح تستشعر ألم بعضها دون الحاجة إلى بوح فطاقة الروح لا يمكن حجبها، 

تحملين ماضيك الجميل وتحاولين رغم نهايتك رغم كل ما تعايشتي من اوجاع والام ومعاناة أن تمنحي السلام والأمان لمن يتكأ على قلبك ليكون في نهايتك معنى ولها هدف جميل كجمال سيرتك الاولى! 

الورقة :مواجعي تقلبها كتاباتكم على صدري كل يوم ولكني سررت لشعورك بي رغم جمود معالم سطوري وحيادية لوني شكرا لأن مازال في عالمنا من يستشعر الروح لا مادتها!



















































ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق