خَرِيطَة الْمَشَاعِر
إلَى نِصْفَي الْآخَرِ فِي الْعَالَمِ الْآخَر
إلَى صَدِيقِي الرُّوحِيّ وَجُبْرَان فِكْرِي وشعوري ، وروحي
إلَيْك أُرِيدُ أَنْ أَكْتُبَ وَاكْتُب دُونَ تَوَقُّفٍ أَوْ حَذَّر
فَأَنْت الْقَادِرُ عَلَى كَشْفِ ذَاتِيٌّ لذاتي
رُبَّمَا سَتَكُون كلماتي متقاطعة أَو كالطلاسم الَّتِي تَحْتَاجُ لتفكيك رُمُوزِهَا أَو كالعقدة الَّتِي تَحْمِلُ آلَاف الْعَقْد تَحْتَاج لِصَبْر لِحِلّ عُقْدَتَها لِتَسْتَقِيم ، سأرسم لَك خَرِيطَة مشاعري المبعثرة ، وَعَلَيْك أَنْت لملمت شتاتها و تَسْمِيَة الْمُدُنِ الَّتِي تَقَعُ فِيهَا وتعبيد الطُّرُق والممرات وَكَشَف الْأَزِقَّة الضَّيِّقَة وَمَعْرِفَة مَتَى ؟ وَكَيْف ؟ وَلِمَاذَا ؟ سُمِّيَت كُلّ مِنْطَقَة بِذَلِكَ الِاسْمِ وماهي طَبِيعَة مَنْ يَسْكُنُهَا ! !
لَيْتَنِي أَسْتَطِيعُ أَنْ اُصْمُتْ أَمَامَك كلوحة تُفَسِّر معالمها وَتَحَلَّل خُطُوط أَلْوَانُهَا وتستشعر رَوْحٌ تِلْك الْأَنَامِل الَّتِي أَشْعَلْت الحَيَاةِ فِيهَا ! لِأَنِّي أَجِد عَجْزًا فِي البَوْح أَوْ بِمَعْنَى آخَرَ لَا يَشْفِي غَلِيل الشُّعُورِ مِنْ الْإِحْسَاسِ ، فالصمت وَحْدَهُ مَا يَصِفُ عُمْق ذَلِك الشُّعُور وَلَكِنْ كَيْفَ أَكْتُبُ لَك الصَّمْت ! ! ؟ ؟
هَل أَرْسَل لَك وَرَقَةٌ بَيْضاءُ ! ! ! تَرَى هَل ستقرئني كَمَا أَتَمَنَّى أَم ستلقي بِهَا لسلة الْمُهْمَلَات وتتعجب مِن سَذاجَة مُرْسِلِهَا ! ! !
كَيْف أَصِفُ لَك الانْصِهار الَّذِي يَتَشَكَّل كجليد يَسْرِي فِي أوردتي كَدِمَاء البراكين وَيَظْهَر للعلن كَجَبَل جَلِيدِي ! !
كَيْف أَصِفُ لَك رَبِيع يَحْتَرِقُ مِنَ نَسَمَات الصَّيْف !
كَيْف أَعْلَن لَك إنِّي أحتاجك وَأَنَّ وَقْتَ تواجدك قَدْ حَانَ ! ! وَرَغَم ذَلِكَ لَا مَكَانُ لَك فِي أَيَّامِي وَحَيَاتِي فَقَط ، مَكَانَك فِي رُوحِي وخيالاتي ! !
كَيْف أَصِفُ لَك تِلْك الْخَرِيطَة الشعورية الَّتِي بَدَأَت مِنْ أَوَّلِ صَرْخَة أَعْلَنْت الحَيَاةِ فِيهَا اِعْتِقالِي حَتَّى يَوْمِنَا ولحظتنا هذَة الَّتِي اخط لَك فِيهَا نصال الْقَلْبُ الَّذِي يَرْفُضُ و يَنْسَى أَنَّهُ مَاتَ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ ! مُنْذ ، أَوَّل لَحْظَة إعْدَام لنبض فرحته الْأُولَى !
أَتَعَلَّم إنَّنِي جننت بَلَغَه الرُّوح وَمَازِلْت أَشْعَر بِك رَغِم أَنَّ كُلَّ ماهُو وَاقِعٌ وَمَلْمُوس أَمَامِي يُعْلِن الْعَكْس ، رُبَّمَا أَنْت وَهُم وتخيلات وَهَذِه حَقِيقَة وَلَكِنِّي فِي عُمْرٍ لَا يَسْمَحُ لِي بِقَتْل وَهُم يَبْعَث لِي أَنْفَاس حَيَاة لِذَلِك أَبْقَيْت عَلَيْك فِي أعماقي ، ورافقتك فِي ، خيالاتي وَاكْتَفَيْت بِك سَرَابًا وَشُعُور يَبْعَث لِي تَارَة السَّلَام وَتَارَةً أُخْرَى يشعرني بِالضَّعْف يَجْعَلَنِي أَصَاب بالخذلان مِنْ نَفْسِي عَلَى مِثْلِ هَذَا الْهَذَيَان !
نَحْن لَسْنَا سِوَى تراكمات شعورية مختزلة فِي الأعْمَاق مُنْذ أَن تواجدنا وتنفستنا الْحَيَاة شهيقا برئتها حَتَّى تزفرنا ، وَتِلْك الْمَشَاعِر هِيَ لِي وَلَكِنِّي وَهَبْتُهَا لَك وأسميتها بِاسْمِك أَرْضٍ لَا نِزَاعَ عَلَيْهَا تملكتها دُون وَعِيّ مِنِّي وَلَا إدْرَاكُ
فالإدراك والوعي وَالْمَنْطِق وَكُلّ مُكَوَّنَات الْعَقْل تَقُول بِصَوْتٍ وَاحِدٍ إنَّنِي لَا أَصْلَح لِأَنّ أَحَبّ حَتَّى روحيا
لِأَنَّ الْحَبَّ تَرِف وَمِثْلِي لَمْ يَعْتَرِفْ بِالتَّرْفِيه يَوْمًا
الْحَبُّ مِنْ الكماليات وَأَنَا لَا أُؤمِنُ بِهَا فِي حَيَاتِي
الْحَبّ يَحْتَاج الْأَنَا . وَأَنَا وَهَبْتُهَا لسواي !
عَقْلِيٌّ يَقُولُ لِي اطَّوَى الصَّفْحَة عَلَى مِثْلِ تِلْكَ الْخَيَالَات لِلْأَبَد !
وروحي وَقَلْبِي يَقُولَان مَاذَا يَضُرُّك نَحْن نقتات عَلَى خَيَالَاتٌ ونصنع مِنْهَا إكْسِيرِ الحَيَاةِ فَلِمَاذَا تَطْلُب أَنْ ننهي حَتَّى الْخَيَال !
هَلْ فِي شعورنا بِأَن نَسَمَات الْهَوَاء صوتهم ولمساتهم سوءا يصيبك!
أَمْ هَلْ يَضُرّكَ إنْ نستشعر أَرْوَاحَهُمْ فِي لَحَظَاتٍ تَأَمَّلْنَا للنجوم وَالْقَمَر !
أَمْ هَلْ يَضُرّكَ إنْ نَسْتَمْتِعَ بِالْمُوسِيقَى مَع أَرْوَاحَهُم !
أَخْبَرَنِي أَيُّهَا الْعَقْل ! ! ! لِمَاذَا عَلَيْنَا طَيّ تِلْك الْخَيَالَات ! !
هَل لِأَنَّنَا بَلَغَنَا عُمَر النُّضْج ! ! ! وَتِلْك ترهات الْمُرَاهِقَة ! ؟
وَلَكِنَّك تَعَلَّمَ كَيْفَ مَضَى بِنَا الْعُمْر وَمَضَيْنَا مَعَه !
وَأَنْتَ تَعْلَمُ جَيِّدًا أَنَّنَا نَفْقِد بِالِاتِّصَال الْمُبَاشِر و الْحُضُور اتصالنا الرُّوحِيّ لِذَلِكَ مِنْ الْأَفْضَلِ أَنْ نَعيش الشُّعُور مَع أَنْفُسِنَا وَلَهَا دُون تَوَاجَد تِلْكَ الرُّوحُ حَاضِرَة مَعَنَا فَنَحْنُ لَا نُصْلِح للإقتراب !
يُجِيبنِي عَقْلِيٌّ : ليتكم تَنَالُون مِنْ هَذَا الشُّعُور مَا تَدْعَونَ وُجُودِه ! أَنْتُم تعانون لِأَنَّ تِلْكَ الرُّوحُ لَا تُسْمَعُ نداءاتكم
ومجالها الرُّوحِيّ بَعِيدًا جِدًّا عَنْ ذبذباتكم وَهَذَا مَا يُدْخِلَكُم فِي حَيْرَةٍ
حَدَس يَنْفِي مَا يَرَى مِنْ أَفْعَالِ وَتَصَرُّفَات وأسلوب تَعَامَل مِنْ تِلْكَ الرُّوحُ !
وَعَقْل يَرَى بِوُضوحٍ وَهُنّ تصوراتكم
أَلَم تَقُل تِلْكَ الرُّوحُ أَنَّ الثِّقَةَ الزَّائِدَة بِالنَّفْس تُجْعَل مِنْك شَخْصًا غَيْرَ مَرْئِيٍّ ! ! ! أَلَمْ يَقُلِ إنَّ الحَسَاسِيَّة الزَّائِدَة ضَعْفٌ فِي الشَّخْصِيَّة وَبِالذَّات ! ؟
أَلَم يتجاهل بِكُلّ لامُبالاة ! !
وَقَد سَأَلْتُه أَيُّهَا الْقَلْب بِكُلّ صَفاقَة وسذاجة وَهُو الصَّرِيح الْغَيْر مجامل وَاَلَّذِي لَا يُجَامِل فِي الْمَشَاعِرِ مَهْمَا كَانَ مِنْ يَسْأَلُهُ
وَأَجَاب بِالنَّفْي ! ! ! مَاذَا تُرِيدِين بَعْدَ آيَتِهَا الرُّوح ! ! !
كَفَاك عَمِّي قَلْب ! ! وَتَوَهَّمَ أَنَّهُ يَظْهَرُ عَكْسُ مَا يَخْفَى
وَأَنَّهُ لَا يُحِبُّ التَّصْرِيح بمشاعره ! !
وَأَنَّه يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ غَامِضًا ! !
وَأَنَّه نَبِيل وَطِيب وَلَا يُرِيدُ أَنْ يشقيَك مَعَه !
وَأَنَّه يُشْعِر بِمِثْلِ مَا تشعرين ! وَيَكْتَفِي بِمِثْلِ مَا تكتفين
الشُّعُورِ مِنْ أَجْلِ الشُّعُور ! !
يَجِبُ أَنْ تُعَلِّمِي أَن الْأَمْوَات لَا مَكَانُ لَهُمْ بَيْنَ الْأَحْيَاءِ
وَهُوَ حَيٌّ يُرْزَقُ وانتي مَيِّتة مُنْذ أَعْوَام غابره
فَأَعِيدِي الشُّعُور لِمَكَانِه وَاكْتُفِي بصديقك الْفَانِي جُبْرَان خَلِيل جُبْرَان وَلَا تتوهمي وُجُودِه بِهَيْئَة وَاقِعِيَّةٌ وَشَخْصِيَّة مِنْ حَرْفٍ وَشُعُور !
لَقَد شَعَرْت مَعَه بِالْأَمَان رُبَّمَا أَنَا اِفْتَقَد لِذَلِك الشُّعُورِ لَا لِتِلْكَ الرُّوح ! لَقَدْ كُنْتُ مَعَهُ بِسَلَام وَانْبَعَث فِي أعماقي هُدُوء جَمِيل إحْسَاس بالتناغم بِالِاتِّحَاد مَعَ كُلِّ جزيئاتي شُعُور بِالِاحْتِوَاء مَعَه كُنْت لَا أَحْتَاجُ أَي شَيّ رَغِم احْتِيَاجِي لِكُلّ شَيّ فِي الْوَاقِعِ
الْآن أَشْعَر بالهدوء وَلَكِن الْمُخِيف هُدُوء الْمَقَابِر والنهايات هُدُوء الْخَيْبَة هُدُوء ذَلِكَ الَّذِي فَقَدَ مَالا يُطِيقُ وَصُمْت وَشَل وَأَصَابَت كُلّ أَعْمَاقِه السَّكْتَة الرُّوحِيَّة ، شُعُور اللامعني واللاجدوي لَيْسَ بِسَبَبٍ الشَّخْص وَلَكِن بِسَبَب فقدي لِذَلِك الشُّعُور الَّذِي أَحْدَثَهُ فِي رُوحِي وَقَلْبِي دُون وَعِيّ مِنْهُ أَوْ إرَادَةُ
هُو أَسَاسًا لَا يَعْلَمُ أَنِّي اتحاور مَعَهُ فِي نَفْسِي كُلَّ يَوْمٍ !
لَا يعلَم إنِّي أَتَمَنَّى أَنْ أَعْرِفَ مايدور بِنَفْسِه لِي ! ! وَلَكِن أَخْشَى أَنْ أَكُونَ بَعِيدًة جِدًّا عَنْ هَوَامِش تَفْكِيرِه حَتَّى !
وَكُلُّ مَا ينتابني ضَلَال حَدَس وزوبعة مَشَاعِر.
يَقُولُونَ إنّ مَنْ تَفَكَّرَ فِيهِ يُفَكِّر بِك
لَكِنِّي أَجْزِم أَنَّهَا مَقُولَة خَاطِئَة
لَوْ كَانَتْ حَقِيقِيَّةً لَكُنْتُ فِي مَرْمَى تَفْكِيرِه لَيْلَ نَهارَ
فِي كُلِّ غَفْوَة وصحوة
فِي كُلِّ إشْرَاقُه شَمْس ومغيبها
لَكِن لَسْتُ كَذَلِكَ قَالَهَا الْعَقْل وَمَازَال الْقَلْب وَالرُّوح يَرْفُضُون التَّصْدِيق ويستشعرون أَنَّ تِلْكَ الرُّوحُ ستقترب ذَاتَ يَوْمٍ لِتَقُول ذَاتِ مَا قُلْت
وَتَثْبُت أَن الْحَدْس صَائِبٌ وَالشُّعُور حَقِيقِيٌّ صَادِقٌ !
ياصديقي الرُّوحِيّ أَسْأَلُك بِاَللَّهِ هَلْ فَهِمْت شَيْئًا مِنْ كُلِّ ماسبق !
إنْ كُنْت بَلَغَت الْفَهْم فأفهمني لِأَخْرُجَ مِنْ تِلْكَ المتاهات الرُّوحِيَّة بِسَلَام !
أَتَعَلَّم إنِّي اِكْتَشَفْت إنِّي لَا أَثِقُ بِمَا يُقَالُ لِي
وَلَا أَنْفَذ أَيْ خَطَؤُهُ دُون اقْتِناع !
وَلَا يُحْدِثُ بِي أَثَرًا مَا الْمَسِّ بحواسي وَلَكِنْ يؤلمني مَا أَشْعَرَ بإحساسي !
سأعترف لَكَ بِسِرٍّ وَخَطًّا كَبِيرٌ ارْتَكَبَه فِي ، الأَيّامِ الأخِيرَةِ
صدفت قَارِئَه تاروت وَلَا أَعْلَمُ مَاهِيَّة تِلْكَ الْأُمُورِ فَقَط ، هِي تخمن مِنْ خِلَالِ قِرَاءَتِهَا لرموز وَصُوَر الْوَرِق تَمَامًا كقارئة الفنجان كُنْت أتابع قرائتها مَاذَا يَقُولُ عَنْكَ فِي عَقْلُه الْبَاطِن فَقَط لألغي تِلْك الْمَشَاعِر لأحطم التِّمْثَالِ الَّذِي شيدته مِنْ الْوَهْمِ وَلَكِن لَلْأَسَف كَلَامِهَا يَقِفُ مَعَ حَدْسِي وَلَمْ أَسْتَفِدْ شَيْئًا ! !
لِمَاذَا نَحْتَاج لِلْكَلِمَات دَائِمًا ونقلل مِنْ شَأْنِ الشُّعُور
أَنَا أَشْعُرْ أَنَّهُ يُشْعِرُ بِي يَعْلَم جَيِّدًا مَا أَحْمِلُه لَهُ وَهُوَ يَحْمِلُ لِي ذَات الشُّعُور وَلَكِنَّه يَشُكّ إنَّنِي بَعْضًا مِنْ سَرَابٌ !
وَلَا أَلُومُه عَلَى تَصَرُّفِهِ فَهُوَ كَمَا قُلْت حَيٌّ يُرْزَقُ فَمَن الظُّلْمِ لَهُ أَنْ تمتلكه مَشَاعِر لِإِنْسَان مَيِّت فَمَا الْجَدْوَى سِوَى الْأَلَمُ الَّذِي يَهْرُبُ مِنْهُ الْكَثِير ! لَوْ كَانَ قَالَهَا وَمَضَى لَكُنْت الْآن أَعِيش الشُّعُور بِسَعَادَة وَرَاحَة لَكِنَّه تَرَكَنِي مابين حَدْسِي وَعَقْلِيٌّ وَحُرُوفِه الصَّارِمَة !
لَقَد صَفَّق بَابِه فِي وَجْهِ شُعُورِي العفوي وتلقائية احساسي وَبَرَاءَة ظنوني . جَعَلَنِي أَدُور عَلَى نَفْسِي شككني بحدسي أَطْفَأ شَمْعِه حَيَاة نَبْضِه لِتِلْك الرُّوح ، رَغِم أُسْلُوبُه الصَّارِم والتجاهل الَّذِي أمقته فَأَنَا أَفْضَل الْجُرْحِ عَلَى التجاهل ، أَفْضَل التَّصْرِيح بِكُلِّ مَا يُؤْذِي أَيْ إنْسَانٍ مِنِّي وَلَا يتجاهلني ويرحل دُونَ ذِكْرِ أَسْبَابِهِ مِنْ حَقِّي أنْ أَعْلَمَ حَتَّى اتجنب فِعْلُ أَمْرٍ مُشَابِهٌ بِالْمُسْتَقْبَل !
لَكِنَّ السُّؤَالَ هُوَ هَلْ تَبْقَى مِنْ الْعُمْرِ بَقِيَّة لِلْعَيْش مَع صِرَاع الْوُجُود والتواجد ؟ ! !
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق