عَلَى طَاوَلَه اللَّيْل
جَلَسَت وَجَلَس أَمَامِي الْقَمَر
كلانا يَتَأَمَّلُ مَلاَمِحِ الْآخَر
تِلْك الأَضْوَاء الَّتِي تَصْدُرُ عَنْهُ كَانَتْ تَتَحَدّث وتنصت . كَانَت تشاركني تفاصيلي وَكُنْت اعْلَمْ أَنَّهَا الأجْدَر فِي فَهْمِ لغتي ، وصمتي وبوحي وحدسي وَظَنِّيّ ، وتوقعي ،
قَالَ لِي مابكِ لَسْتِ تِلْكَ الَّتِي عَهِدْت
كَانَتْ تِلْكَ الْأَحْرُف الأربعة( مَا بك) كَفِيلِه فِي إسْقَاطِ قِنَاع التَّقَاوِي
وَبِلَا تَرَدُّد أَوْ تَحْفَظ
أجبته
لَسْت أَنَا تِلْك الْأَنَا
لَا صَوْتِي وَلَا عَيْنَايَ وَلَا كلماتي وَلَا مشاعري إنَّنِي مُتَنَاثِرَة لَا أَسْتَطِيعُ جَمْعِيّ ، تَبَدَّدَت إتجاهاتي
حَارَت لغتي
سَاءَت أَخْلاَقِيٌّ
اِنْطَفَأَت شعلتي
إنِّي كَمِرْآة سَقَطَتْ مِنْ ارْتِفَاعِ شاهق وتهشمت لذرات بلَورية متلألأة كدموع الْعَيْن وكقطرات العرق على جبين المحموم !
أُحَاوِل إحْتِطَاب أَغْصَان نَفْسِي الْمُبَعْثَرَة فِي كُلِّ مَكَان لِأَصْنَع
مِنْهَا مُحْرِقَةٌ تُشِعّ نُورًا لتنير ظَلامِي لِلْمَرَّة الْأَخِيرَة
لَكِنِّي لَا أَعْلَمُ كَيْفَ ؟ !
أَخْطُو خَطَؤُه واتراجع أَلْف
أَبْكِي بِكُلِّ مَا أُوتِيت مِنْ دُمُوعٍ وَفِي خِضَمّ دُمُوعِي أَضْحَك بِأَعْلَى صَوْت لَدَيّ وتَمْتَزِج كُلٍّ مِنْ الدَّمْعَة والضحكة وَلَكِنْ لَا شَيّ يَسْقُط مِنِّي سِوَاي ! !
هُنَاك سَمّ يَنْتَشِرُ فِي عروقي مُنْذ أَن لَدَغَتْنِي زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الْجَمِيلَة لَا حَلُّ أَمَامِي سِوَى فَتْح صُنْبُورٌ الْوَرِيد لِكَي أتخلص مِنْ سُمِّهَا الزعاف،
نُورِ الْقَمَرِ : مَاذَا سيبقي مِنْك أَنْ حَدَثَ مَا ترجين
لَن تعودي تِلْك وَلَن تَكُونِي يَوْمًا مَا تَوَدِّين
فَذَلِك السُّمّ هُو مايبقيكِ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ
إنَّتي أستغذبتي أَوْجَاعِه
عشقتي لَيْلَة وَظُلْمَتِه
سكنتي فِي وادية السحيق
وَكُنْت لكِ ذلك الضَّوْء آخَر النفق يُونُس وحدتك
وأتحدث مَعَك بُلْغَةٍ لَا يفقها سوانا
فَاللَّيْل هُوَ صِدِّيقٌ الْقَمَر
وَالْعِشْق هُو سَاعَاتُه
وَالْحَنِين دَقَائِقِه
الثَّوَانِي أشواقة
وَرِيد : لَكِنَّ ذَلِكَ الضَّوْء لَا يُعْكَسُ ظِلِّي
هُو يُرِينِي أُمُورًا لَا وَاقِعٌ لَهَا
أَجْسَاد مَشَاعِر ومواقد بَهْجَة ونحيب أَم فُقِدَت أَكْبَادَهَا
ذَلِك الظِّلّ لَيْسَ لِي
وَهُو الْمَعْكُوس مِنِّي
أَنَا أَرَى فِيهِ عَالَمَي الدَّاخِلِيّ تناقضاتي
فوضاي ، ضجيجي ، دُمُوعِي الْهَارِبَة مِنِّي ، الَّتِي أعيتها مواساتي وَجَفَّت أَنْهَارُهَا فِي محاولاتها لإطْفَاء حَرَائِق خَوْفِي وقلقي وحيرتي وألمي وخيبتي وخذلاني !
أيُّهَا القَمَرُ أَخْبَرَنِي مَنْ أَكُونُ ! ! ! ! أَنَا أَشْعَر إنِّي فُقِدَت كُلّ حواسي لَا أَرَى وَلَا أَسْمَعُ وَلا أَتَكَلَّمُ وَلا الْمَسُّ وَلَا اِشْتَم وَلَا أتذوق فَقَط أَحَسّ بِألام رُوحِي وَحَزِن قَلْبِي وقلق عَقْلِيٌّ وَضَيَاع نَفْسِي وخيبة ضَمِيرَي مِنِّي ! ! لقد أفلتتني جذوري إنني أتناثر بالهواء كالغبار كأوراق الخريف المصفرة، كالبالونات المليئة بالزفير!!
أَعْطَني عَصًا لِكَيْ لاَ اتعثر وَأَنَا اُسْلُك الطَّرِيق لِنَفْسِي
لَا احتاج أمرا أخر ربما . . . . . . . مِنْ الْأَفْضَلِ أَنْ تَأْخُذِني مِنْ يَدِي وتسلمني لِنَفْسِي يَدٍ بِيَدٍ ! !
أَخْبَرَهَا إنِّي أَصْبَحْتُ ضَارَّة وضريرة ومتضررة ومضرة
أوصها عليّ خَيْرًا وَتَوَسُّل لَهَا بِأَنْ لَا تَقْتَصّ مِنِّي وَأَنَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الَّتِي يرثا لَهَا
قُل لَهَا أَنْ أَعْظَمَ الْبِرِّ مَنْ أُولَئِكَ الَّذِي لَمْ يبرهم أَحَدٌ
أولَئِك الَّذِين عقتهم الْحَيَاةِ قَبْلَ الْبَشَر
اقْرَئهَا السَّلَام مِنِّي وَأَعْطِهَا آخِرِ مَا كَتَبْت قَبْلَ أَنْ أَفْقِد كَامِل أهليتي فِي أَنَّ أَجِدُنِي بَعِيدًا عَنْهَا !
تِلْكَ الْوَصِيَّةُ الَّتِي ستبقى مِنِّي لَهَا
وَاَلَّتِي تُعِيد لَهَا كُلُّ مَا سَلَبَت مِنْهَا وَلَكِنْ بَعْدَ فَوَاتِ الأَوَانِ
بَعْدَ أَنْ تَحَوَّلَ إلَى حَفْنَة رَمَاد
لَا يُسَمِّن وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ !
نُورِ الْقَمَرِ : فِعْلًا لَمْ أَسْتَطِعْ التَّعَرُّف عَلَيْكَ حَتَّى ! !
أَيْن جَذْوَة الْأَمَل الَّتِي كُنْتَ تحملين ؟ ! أَيْن تِلْكَ الرُّوحُ الْمُجَنَّحَة الَّتِي تَسَارَع لِتَسْكِين الْأَلَمِ وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ فِي إلامها وأمتصاص اليَأس وَإِنْ كَانَتْ ستعاني مِنْ أثَارَةِ ! !
أَيْن ذَلِك النَّبْع الَّذِي لَا يَنْضُب ! ؟
وَرِيد : لَمْ أعُدْ أَمْلِكُ شَيْئاً لظى الْمَوَاقِف جفَّف معيني
وَأَوْقَف نَبْض قَلْبِي عَنْ السَّعْيِ خَلْف الْعَطَاء
لَمْ أعُدْ اِمْتَلَك مَا أُهُبٌ لَقَد أَصْبَحْت اتسول مِن يُمَدّ حِرْفَة بِكَلِمَة طِيبِهِ أَوْ تَبْدِيد دَمْعُه حَائِرَة أَو إخماد نَار خِذْلَان حارِقَةٌ لَقَد بُتِرَت يَد قَلْبِي الَّتِي حَمَلَتْ جَذْوَة الْأَمَل وَرَاية التَّفَاؤُل وَكَانَتْ الْحَاجَةُ هِيَ مِنْ أَحَالَنِي إلى الرَّمَاد !
حِين تَعْجِزُ عَنْ أَنْ تَكُونَ أَنْتَ تَمُوت ببطئ
تَتَقَطَّع إجزاءك شِبْرًا بَعْد شِبْر بِآلَةٍ غَيْرِ حَادَّةٍ تمزقك وَتشْعِر بإنفصال كل خَلِيَّةٌ وَنَسِيج عن بعضها البعض وتسمع أنين الوجع ألما من ذلك الإنتزاع !
حِين تَشَوَّه نواياك وَيَذْهَب سَعْيَك مَعَ الرِّيحِ
فَإِنَّك تصفع بِيَدِ مَنْ حَدِيدٍ تهشم مَرَايَا رُوحَك وَتُغْرَسُ فِي لِحَاء قَلْبِك وَتَغْرَق فِي دِمَاءِ مشاعرك النازفة
تُغْرَق لَكِنَّك لَا تَمُوتُ لَا تختنق أَنْفَاسِك ويتحَول جِلْدَك لللَّوْن الأَزْرَق
بَل تَضِيق أَرْض أعماقك بِمَا رَحُبَتْ َولا تَجِدْ لَهَا مَخْرَجًا تَنْطَلِق مِنْه فَيَتَلَوَّث الْهَوَاء فِي وِجْدَانِك وتشهق دَمٌ شُعُور وتزفر الْآخَر، شئ ينهشك ويأكلك ويلتهمك بشراسة من الداخل وأنت حي!
حِين يَصْرُخ كُلُّ مَا فِيك إلا أحبالك الصوتية!
وَحِين تَمُوت وَالْكُلّ يَظُنّ أنَّكَ مَازِلْتَ حَيّ
أَخْبَرَنِي أيُّهَا القَمَرُ كَيْف سيتسلل نُورَك لِتِلْك الأعْمَاق الغارقة بِالدِّمَاء الْمُزْدَحِمَة بالخذلان
والمتهالكة بِالْعَجْز وَقِلَّة الْحِيلَة
تِلْك الأعْمَاق الَّتِي فقعت عَيْنَاهَا لِكَيْ لاَ تَكُونُ بَصِيرَة
بِمَا تَعْجِزُ عَنْ مَنَحَه لِغَيْرِهَا أَوْ لِنَفْسِهَا !
لَسْت أَنَا... أَعْلَمُ ذَلِكَ
لَكِنِّي أبْحَث بِك أَيُّهَا النُّورِ عَنْ كَيْف ابْعَثْ مَنْ الْمَوْتِ ! !
ترى هل أسْتَطِيع ؟ !

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق