الأربعاء، 14 أكتوبر 2020

من أعماق الصورة!

            
وَقَفْتُ أَمَامَ تِلْكَ الصُّورَةِ مُعْجَبَةٌ بألوانها رَغِم أَنَّهَا تَحْمِل الْفَصْلِ الَّذِي يَخَافُ أَنْ يَصِلَ لَهُ الْجَمِيعُ 
وَفِي عُمْق تفحصي للمنظر أَخَذَت عَيْنَاي تَجُوب يَمِينًا يَسَارًا وَفِي أَثْنَاءِ تِلْكَ النَّظْرَة لمحت شَيْئًا فَعُدَّت بِعَيْنِي للوراء قَلِيلًا وَكَأنَ هُنَاكَ شَيْئًا يناديني ليبوح لِي عَنْ ألَمٍ فَاق قَدَرْت تَحْمِلُه فَألْتَمِس يَبْحَثُ عَنْ وَجْهِ أَيْ عَابِر أَوْ غَرِيبٌ ليلقي عليه حُمُولَتِه الَّتِي أنهكت رُوحَه ! 
قَلْبِي اُعْتُصِر مِمَّا رَأَيْت بَقَايَا شَجَرَة مابين الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ 
جُذُورَها مازالَت مغروسه فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ بِلَا كِيان مَرْئِيّ بَل جَذَعٌ بِلَا ظِلٌّ بِلَا أَغْصَان بِلَا أَوْرَاق بِلَا إِزْهَارٌ ! ! ! ! 
جثوت عَلَى رُكْبَتَيَّ وَجَلَسَت أَمَامَهَا وَجْهاً لِوَجْهٍ ! ! ! 
أَخَذَت أَتَحَدّثُ مَعَهَا بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ وعيناي تنهمر دُمُوعًا 
لَا أَعْلَمُ مَا سَبَبُ الْبُكَاء هَل لِأَنِّي أَشْفَقْت عَلَيْهَا أَمْ لِأَنَّهَا لَمَسَتْ شَيْئًا مِنْ أعماقي فَأَحْيَانًا كَثِيرَةٌ نَحْن نَبْكِي أَنْفُسَنَا لَا الْآمِرُ وَلَا الشّي الَّذِي نَرَاه أَو نَتَعَرَّضُ لَهُ ! 
أَخَذَت التساؤلات تَدُور حَوْلِي 
ماحال تِلْك الجذور هَل مازالَت تَبْحَثُ عَنْ مَصَادِر الْمَاء ؟ !
 هَل مازالَت تَمْتَصّ مَعَادِن الْأَرْض ؟ ! 
أَم انْطَوَت عَلَى  نَفْسِهَا وَفَارَقَت الْحَيَاةُ هِيَ الْأُخْرَى وَتَحَوَّلَت تِلْكَ الشَّجَرَةِ لمقعد يَجْلِس ، عَلَيْه الْمَارَّة لِتَأَمُّل الْمَكَان ! ! 
تَرَى كَيْفَ يَكُونُ حَالَ مَا تَبَقَّى مِنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ لَوْ كَانَتْ تَحْمِلُ بَقَايَا الْحَيَاة ! ! 
كَيْف تَلَهَّم لِنَفْسِهَا الصَّبْر 
أَلَم تتسائل لِمَاذَا أَنَا يَد الْأَيَّام اغتالتني وحرمتني مِن جِذْعِي وأغصاني ! ! 
لَوْ كَانَتْ الْعَاصِفَة اقتلعتني مِن جذوري وَلَم تتركني ، هَكَذَا مُشَوَّهَةٌ الْمَنْظَر نَاقِصَة متلاشية رَغِم تواجدي ، لَوْ أَنَّ صاعِقَة مِنْ السَّمَاءِ احرقتني وشطرتني لنصفين وَلَمْ أَتْرُكْ مابين حَيَاة وَمَوْت ! ! 
أَلَم ينتابها الْإِحْبَاط يَوْمًا وَتَفَقُّد تقاويها وترثي نَفْسِهَا أَنَا كُنْت مِثْلَ تِلْكَ الْأَشْجَارِ أَتَذْكُر تَنَفَّس اغصاني وَمُلَامَسَة الرِّيح لجذعي وشذى ازهاري المتفتحه وَدُمُوع أَوْرَاقِي المتساقطة أَنَا لَدَيّ ذِكْرَيَات أَلَم تَصْرُخ فِي وَجْهِ العابرين لَسْت مُقْعَدًا فَأَنَا شَجَرَة
 رُبَّمَا لَا تَرَوْنَ جِذْعِي وأغصاني لَكِنِّي مَا زِلْت أَشْعَر إنَّنِي كَامِلَة رَغِم صُورَتَي النَّاقِصَة ! 
وَفِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ الْأَعْصَار المدوي مِنْ الشُّعُورِ وَالْأَفْكَار 
خَرَج صَوْت يَهْمِس بِحَنَان وَرَقَة ! 
وَقَفْت وَأُخِذَت أَدُور عَلَى نَفْسِي 
وهاهو يَهْمِس مِنْ جَدِيدٍ وَإِذَا بِهِ يَصْدُر أَسْفَلَ مِنِّي 
مِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ المتبقي مِنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ 
بَقَايَا الشَّجَرَة : لَا تَخَافِي هَذِه أَنَا لَقَد تَأَلَّمَت مِن حَدِيثَك مَع نَفْسِك وتحليلك لمشاعري وَكَان لاَبُدَّ أَنْ أَتَكَلَّمَ لِكَي أَشْرَح لَك أَنْ تصوراتك لمشاعري ، وحالتي لَيْسَتْ فِي مَحَلِّهَا لَقَد نظرتي لِي مِنْ زَاوِيَةٍ رُوحَك لَوْ كُنْت بِذَات الْمَكَانُ أَيْ  لَوْ كُنْت شَجَرَة وَحَدَّث لَك مَا حَدَثَ لِي وَلَكِنِّي  اخْتَلَف عَنْك 
وَرِيد : إذَا هَلْ مِنْ الْمُمْكِنِ أَنْ تصفي لِي شعورك الْحَقِيقِيّ ؟ ! 
بَقَايَا الشَّجَرَة : رُبَّمَا لَا يَغْفُلُ عَنْك أَنَّ الشَّجَرَ يَمُوت وَاقِفًا 
سَوَاءٌ بِكُلِّيَّتِه أَو بِرُبْعِه كَمَا حَدَّثَ مَعِي ، سَوَاءٌ كَانَ بإعصار أَو عَاصِفَة أَو صاعِقَة جَمِيعِهَا إشْكَال لنتيجة وَاحِدَة ! 
وَبِالنِّسْبَة لِي حِينَ حُدّثَ لِي ذَلِكَ حَزِنْت فِي الْبِدَايَةِ وَلَكِن حِين وُجِدَت إنِّي سَأَكُون أَكْثَرُ نَفْعًا بَعْدَ مَوْتِي
 أَنْ أَكُونَ مُقْعَدًا يَسْتَرِيح عَلَيْه الْمَارَّة ، ويستمتعون بوقتهم فَي تَأَمُّلٍ الطَّبِيعَة وَأَنَس برفقتهم وُجِدَتْ فِي ذَلِكَ تَمَيُّزًا . 
فَإِنَّا لَمْ أَمُت فَقَط تَحَوَّلَت لشئ أَكْثَرُ نَفْعًا وَأَطْوَل عَمْرًا 
وَرُبَّمَا يَحْسُدُنِي الْكَثِيرِ مِنْ الْأَشْجَارِ عَلَيْه ،
 فَتِلْك الْأَشْجَار ستتحول لجذع خاوَى مِنْ الْأَوْرَاقِ وَلَن تمنح الظِّلُّ الَّذِي يَجْلِسُ تَحْتَه الْمَارَّة وستبقى وَحَيْدَة تَبْكِي أَيَّامَهَا الرَّاحِلَة ! 
فَالْأَشْيَاء المؤلمة الَّتِي تَحْدُثُ لَنَا لاَبُدَّ أَنْ نَرَى فِيهَا الْجَانِب الْجَمِيل وَلَا نعتكف فِي مِحْرَابِ أَوْجَاعِها ، لِكَي نواصل الْحَيَاة دُون إحْبَاط فَالْجَمِيع هُنَا يحكمهم وَقْت إِياب وَوَقْت ذَهَاب فَلِمَاذَا نُضِيع مَا بالمنتصف بالتفكير بلماذا كَان وَلِمَاذَا لَمْ يَكُنْ ؟ ! 
فأستمتعي بالمنظر وَأَخْلِقِي مِنْ كُلِّ مَنْظَر مُؤْلِم مَصْدَرٌ لِلتَّمَيُّز لَا للقصور
وَرِيد : آيَتِهَا الشَّجَرَة الْعَظِيمَةِ فِي جذُور أفكارك وفكرك 
لَوْ انّنَا نَتَعَلَّم مِنْك تِلْكَ الْحِكْمَةَ لَكِنَّا . أَكْثَر فَرَحًا وَأَقَلّ تَذَمُّرا 
رَغِم أَنَّ الطَّبِيعَةَ هِي دَائِمًا الْمُعَلِّم الْأَوَّل لِلْإِنْسَان وَلَكِن حِين يَقْذِف بِنَفْسِهِ دُونَ أَفْكَارِه ومشاعره فَقَط بِرُوحِه وَيَتْرُكُهَا تَعَانَق أَرْوَاح مكوناتها هُنَا فَقَطْ سَيَصِل وَيَتَغَيَّر فِي كُلِّ مكوناته وَسَيَكُون أَكْثَرُ فَهُمَا ووعيا وَإِدْرَاكا لِمَا يُشْعِرُ وَيَتَعَلَّم كَيْف يُفَكِّر ! وَالْأَهَمّ مِنْ ذَلِكَ مَتَى يَنْطِق وَمَتَى يَلْتَزِم الصَّمْت ! 
حِين عُدَّت لِنَفْسِي أَشْفَقْت عَلِيّ نَفْسِي وتسائلت لِمَاذَا أَنَا أَرَى الْأُمُور بِوَجَع يَفُوق الْحَقِيقِة ؟ ! 
لِمَاذَا اعْتَقَدَ أَنَّ كُلَّ مَظْهَرِ مُؤْلِم يَدُلُّ عَلَى حَيَاةٍ مُؤْلِمَة ؟ ! لِ
لمَاذَا مَا زِلْت أَظُنُّ أَنَّ الْعِبَارَاتِ الحزينه تَدُلُّ عَلَى رَوْحٌ حَزِينَةٌ وَالْعَكْس صَحِيحٌ 
أَلَم أَتَعَلَّم بَعْدُ مِنْ مَظَاهِر الْأَشْيَاء بِأَنَّهَا لَا تَعْكِس ، بِالضَّرُورَة فحواها وَهَذَا لَا يَنْطَبِقُ فَقَطْ عَلَى الْمُظَاهِرِ الْكَامِلَة وَالصُّوَر الْجَمِيلَة بَل أَيْضًا الْمُظَاهِر الَّتِي تَحْمِلُ وَجَعًا وَالصُّوَر المنقوصه لَا أُنْكِرُ أَنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ عَلَّمْتَنِي دَرْسٌ مُهِمٌّ جِدًّا وَهُوَ أَنْ لَا أُسْقِطُ مَاهِيَّه أفكاري ومشاعري عَلَى أَيِّ مَشْهَد وأحاول أَنْ أَرَى الْجَانِب الْجَمِيلِ مِنْ كُلِّ شَيِّ أَرَاه أَو أَسْمَعْه أَو أصدفة فِي مَسِيرِهِ الْحَيَاة !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق