الخميس، 18 يونيو 2020

القطار المنعزل

                   
               

                          ( القطار المنعزل )

كنت أسير  بتجاه الغابة مثقلة بهمومي
مترنحة من صدماتي ،سارحة في عالم أخر ،أحاول أن أعانق الطبيعة لأتوازن  وأعود لذاتي 
فالطبيعة من سماء وشجر وأرض واسعه هي المواسي لي في هذة الحياة
 أذهب إليهامثقلة وأعود محلقة من خفتي 
ها أنا أعانق السماء وتحتضنني الغيوم وأبث حزني وأشكو لها مصابي ،
فتُنفث الارض وتحصنني بالحب اللامشروط ،وأعود حية أتنفس ويبدأ الشروق في روحي من جديد ،
وبدأت أبتسم وأغني وأقفز وألعب مع أغصان الشجر واحاول تسلق الشجرة ،
أسقط فأبتسم اتذكر طفولتي ،وأنسى كم من العمر غاب بي عنها ،
فأقف من جديد لأحاول مرة أخرى ،لا أتوقف حتى اتسلقها فأنتصر ،
ومن بعدها أقع بورطة النزول ،لا اعلم أجد أن الصعود أسهل بكثير من الهبوط
او ربما لأني أقترب أكثر من السماء التي اعشقها اراه غير متعب في سبيل قربي مما أحب ،
أستسلم للسقوط وأحصد الكدمات واحيانا الجروح ولكن لا أثر لها فظواهر الاشياء والجروح لا تحدث ألما بي ،
 وأنا بتلك اللحظات أشعر وكأن جسدي يرتجف وكأن تيارا كهربائي لامسه ، 
أسرعت أتلفت يمينا ويسارا ،أبحث بين أشجار أدور على نفسي،
 كعادتي صفير  الألم كان يصر في أذني قلبي ويهمس لروحي هنا.....هنا من يحتاجك
 ترى هل سأصل في وقت مناسب أم أني سأصل فقط لأتألم على رؤية روح فارقت الحياة
مستجديتا أن يلتفت لألمها أحد ؟
وإذا بي أرى ، 
قطار مهجور .....في زاوية نائية بعيدا عن دبيب الحياة 
إقتربت منه ،
كل مقصورة منه تحمل ذكريات ألف قصة وغصه 
تدور أشباح الماضي تحرضه على البكاء 
ولكن صدأ الالم سد ثقوب نوافذة التي كانت مشرعة ذات يوم  !
وهاهو يتثائب بصعوبة وإذا بالطيور تخرج  من مدخنته 
ينظر لي وقد عقد حاجبيه وتقلصت جفونه وكأنه يعاني من صعوبة بالرؤية 
 وهاهو َيهم بإخراج صوته المتحشرج ،
كيف وصلتي إلي ؟؟؟لقد أهلكني الإنتظار حتى غادرتني الحياة  
وريد :لماذا وضعت نفسك في مكان لا تنتمى اليه ، فمكانك على سكك الحديد 
لا بين الأشجار ؟؟!
 القطار:لا استطيع تحمل ذنب مروري على ظهر تلك السكك الحديدية وتعريضها للألم،وأرهقت من دخولي الأنفاق المظلمة ،
لذلك أخترت الابتعاد عن قانون الحياة ،انا وبعدي الطوفان !
وريد :لكنك وحيد هنا لا أحد يشبهك الكل حولك يمارس حياتة بشكل طبيعي إلا أنت !
!ألا تشعر بالألم ؟؟ألا تحن لنفسك ولم هم مثلك ؟؟ 
القطار :منذ أن شاهدت امثالي وانا في غربة عنهم فرغم تشابه المواد أختلفت الألوان ،ووجدت في غربتي معهم ألم مضاعفا ليس كتفردي في حضرة الطبيعة
 ولكني انتمي لطبيعة ،
رغم تدخل البشر في تجسيدي فأنا حديد مستخرج من باطن الأرض ،أما الأن فأنا على ظهرها والإنتماء
إنتماء روح لا مكان !
وريد :أود أن أدخل أعماقك لأرى هل قولك ينبع من صدق عمقك ، أم أنه كلام من السطح ؟!
القطار:لا أنصحك بالدخول فالأعماق فجوة مظلمة القليل من يخرج منها سالما ، فالكثير ممن خاضوا الأعماق غرقوا فيها ولم يرو النور بعد ،فنصيحتي ألا تدخليها .
وريد :لا تخف علي هي رحلة لابد منها لنصل للحقيقة
 وأنا أتوق للحقيقة وسأدخل الأعماق وأصارع الغرق لأصل للنور ،فلكل منا انفاقة المظلمة !
وها أنا أدخل أول مقصورة لهذا القطار ،
كانت أغصان الأشجار متغلغلة في أعماقة وأعشاش الطيور وبعض السناجب ولكن المقصورة لم تفقد سيرتها الاولى كان على جدرانها رسومات وخربشات أطفال ودمى متناثرة بالية ممزقة رثة تشئ بزمن جميل 
وكنت أتأمل المكان وكأنني عثرت على صندوق محمل بذكريات الطفولة اتفحصه بإهتمام وشوق لعناق لحظات ماضية كانت الأصدق والأجمل ،
 وهاهي تخرج من ذاكرتي طفلة ذات الست سنوات
 وتقف أمامي وجها لوجه 
طفلة الذاكرة::تنظر لي بتعجب وإبتسامتها مشرقة من عينها وملامحها وتسألني من أنتي ؟!
وريد:أنا أنتي ولكن في زمن أخر ،
زمن لا ينتمى لجمال زمانك ولا لبراءة عينيك وقلبك ولا لجهل عقلك بما يدور حولك !
طفلةالذاكرة:لكنك كبيرة ولا تشبهيني بالشكل والحجم  فكيف تكونين أنا !؟هل تلعبين معي لعبة تسمى انا أنتي وكيف العبها معك ؟'
وريد:نعم يا صغيرتي هي لعبة الحياة التي تغير ملامحنا الظاهرية والداخلية لبلوغ مرحلة أخرى منها !اتعلمين كم أشتقت لك؟كم اود  ان أعود  انتي لأعانق نفسي  لأمحو كل ماشعرت به منذ غادرت زمنك !
طفلة الذاكره :لم افهم شيئا !!!!
وريد :هو  كل ماأحتاجة أن لاأفهم شيئا ،فلا جدوى من الفهم إلا الشقاء 
كان اللقاء مختلط المشاعر  فرح والم وحنين وحزن وإشتياق ودمعة وإبتسامة متحسره انتقلت للمقصورة 
التالية دون شعور وكأنها إمتداد لها لا انتقال لجزء أخر لا ينتمي لها 
كل شي فيها لا معالم له مجهول الهوية لا بصمت فية لم أستطع تميز أركانها 
وقفت حائرة ولكن حيرة تشوبها طاقة هائلة مختزلة  تبحث لها عن قالب لتصب فية وتتشكل 
وها هي مراهقة الذاكرة تقابلني وجها لوجه ولكنها لم تكن متمردة كالبقية لم تكن ثائرة كانت تحمل ذات صفات الطفولة ولكنها كانت لا تحمل في طيات معالمها لونا من إنكسار ولم تفقد ذالك البريق فمازالت لم تفهم من الحياة والبشر شيئا 
مراهقة الذاكرة :هناك شبه بيننا هل أنا أعرفك ؟
وريد :ربما نتشابه بالشكل لكن مختلفين جدا بالمحتوى فأنتي وإن كنتي أنا زمنك مازال حائرا يحتفظ بمعالم طفولته ، ومضيت عنها ولكن لم يكن الإنتقال سهلا هذة المرة لقد انتزع مني شيئا من حياة وزرع بي شيئا من خوف 
في كل خطوة للمقصورة التالية كنت انتزع شيئا مني فرح او حلم او أمنية او فكرة او معنى كان التغير يبدو واضحا 
بسمات ظاهرية وتغير كبير في عمق روحي ، وصلت أخيرا لتلك المقصورة كان كل شئ واضحا فيهاالشقوق وأثارالسنين،وتقلبات الطبيعة قد أحدثت الضرر في هيْئتها وأحدثت الصدأ في مناطق منها ،وهاهي أنا أمام الأنا
أنا:أخيرا إلتقيتك !!
لقد تهربتي كثيرا مني، ربما أخر لقاء كان منذ أعوام خمس ، سأسألك هل انتي سعيدة بإقصائي عنك
وريد:لاأريد العودة لذات الموضوع الذي لا ننفك نتحاور فية كلما إلتقينا ولكني سأكتفي بقولي، تعلمين أني لا أعترف بالأنا إذا تضاربت مع رسالتي في الحياة وطبيعة روحي !
انا:واضح جدا عَلى معالمك الراحة!!
 من إنطفاء بريق عينيك 
وقلبك المكتنز بالأوجاع،وإغترابك عن الشعور والناس وكأنك  كائن غير مرئي شبح يسير على الارض لا يحس ولا يرى !
  إلتفت عنها هاربة كعادتي ولكنها بقية تطاردني للمقصورة التي تليها وهي تردد لا تكوني جبانه اعترفي بالحق الذي دائما تصارعين من أجله إكشفي الحقيقة التي تبدوا واضحة على معالمك !!!كوني صريحة غبية كعادتك !!!
وإذ بها تمسكني من يدي بقوة وتمسك رأسي وتنظر في عيني وتصرخ قولي ما تقوله عيناكي فهي الجزء الصادق الذي لا يكتم صدقه
وريد :تساقطت دموعي بلا صوت 
أعتلى الدم رأسي دون غضب 
إرتخفت أوصالي دون خوف 
سقطت على أرض المقصورة دون وعي 
ونطق الشعور والكلام دون إدراك 
انك ظالمة مثل الجميع تعلمين،
 وتحسين بكل شئ ،
لماذا تصرين على إذلالي بالبوح بإنكساري بضعفي
 بموتي بإرتحالي عن كلي وتخلي عن كل شئ جميل يعكر مسيرة رسالتي ويعرقل طريقي !! 
لماذا لا تفهمين أن لا شئ مماتحلمين به موجود بهذة الدنيا !!!
أحاول جاهدة لأستعيد ثباتي بعد كل مرحلة مني
  وأنتي تعلمين جيدا كم عدد تلك المراحل التي عبرتها وعبرتني وكم كان ثمن العبور وماذا وكيف ولما، ما عدت استطيع المقاومة اكثر الأن وصلت للمرحلة الأكثر غرابة  وغموض ،مرحلة إمتزاج الأضداد 
وحيادية التفكير والموقف ،وصمت وتقوقع الشعور، لقد نفذت مني مادتي وتبخرت وأصبحت خيال يدعي انه إنسان! 
صفعات الخذلان نالت منى رغم تجاوزي لها رياح التغير وعوامل الحياة عرت جذوري وتركتني روحا دون سكن لجسد رغم وجودي فيه، فأنا فقدت شعوري به ،فلا تقلقي لست بخير وإن أظهرت عكس ذالك ،
حتى حياتي مع الخيالات أصبحت ترهقني وتخنقني  ولا تحلق بي لأتنفس ، فكفي عني ولا داعي لأن تثوري علي فما انتي فية وعلية هو الافضل لك فليس هناك جميل هنا بالدنيا 
ووصلت للمقصورة  التالية  وجدت فيها الجماجم والعظام فقلت لأناي يضطر المرء فينا  لعبور المرحلة لدفن  كل جميل فية حتى يبقى بحالة من السلام ويحمي نفسه بذلك من الأذى، فتجرع السم مرة لا يميتك ولكن لا ينسيك مذاقة مدى الحياة 
كان عمق القطار مظلما وكانت أخر مقصورة له مخيفه أنقبض قلبي، وأطبق على صدري ،وعجزت عن التنفس وسالت دموعي مختنقه وكأنني غرقت فية كما قال   وأسرعت بالرجوع  لأخرج من أعماقة وكأنها ومضة سريعة قذفت بي لخارج القطار
تنفست الصعداء وتمددت على الارض وفتحت عيناي على السماء والدموع تنهمر من عيناي دون حراك او تحريكه لجفن 
القطار:لقد حذرتك من الدخول لكنك عنيدة ولم تنصتي لي 
ولكن الحمد لله أنك خرجتي من هناك بسلام فالرحلة في أعماقي إما حياة او موت 
وريد :لقد كان مشقيا، مهلكا ،مدميا ذلك الشعور ولكن لابد من مروري به حتى أفهمك وأُفهم نفسي لنفسي!
ألا تود العودة لمكانك الطبيعي؟؟الا تشتاق ؟الا تنتابك نوبات الحنين ؟!
القطار:بلي أشعر بكل ذلك ولكن كمن يشتاق لميت يعلم انه لن يعود ، ما هناك ماضي وذكرى لا جدوى من إحياءها 
لأنني  قررت ما هو أكثر راحة وأقل ألم لي،
 وهذا لا يعني أني لا اتعب ولا أتألم ولكن هناك أشياءيجب أن تتنازل عنها حتى تستبدلها بغيرها من أمور تصلح لمنحك السلام الداخلي!
وريد :إذا لماذا كنت تنتظر ؟؟؟لماذا في أعماقك متألم يبحث عن مرهم يبلسم أوجاعه ؟!
القطار: إعتدت على الإنتظار حتى ألفته رغم أني أجهل ما أنتظر ولكني أمارس الإنتظار كعادة يومية تماما كالرياضة التي تقومون بها كل صباح ، وتلك الألام ماهي إلا ذكريات تسلي نفسها بذكريات !
وريد :اتعلَّم أيها القطار أن لكل منا أعماقة التي يغوص فيها واحيانا يغرق فيها ليحيى
وذلك حين يصحب معه سترة النجاة
 وهي ثقته بالله وعبوة الأوكسجين وهي الإرادة
  وأحيانا أخرى تغرقة فيها كفجوة سوداء تبتلعه في أعماقها، ويتوه في عتمتها ويعمى عن كل ماهو خارج عنها ،يصبح سجين عتمت أعماقة ولا يرى النور رغم سطوع شمسه ، ولا يشعر بالدفئ رغم حرارة أشعتها فقط يشعر آنه داخل كهف مظلم وتتخاطفه أشباح الذكريات وتصفعه يمينا شمالا ،وهو كالمجنون  يتلفت بذعر  ،يخشى أن يصفع ،ولكن لا يعلم من أي جهة ستأتيه تلك الصفعه فيبقى في حالة خوف من ألم لم يصل بعد وهذا كالموت قبل الموت ،شعور لا يوصف،ففي خوض الأعماق ألام تتضاعف وعقل يتحجر ويشل عن إيقاف شريط حياة ذلك الانسان منذ اول الم وأول خذلان يبدأ ولا يتوقف في تلك الرحلة يتساقط الكثير منا، وينتزع الكثير من ارواحنا وفي خضم تلك المعركة تستشهد الكثير من المشاعر والاحلام والاوهام والخيالات ويسحق القلب وتتمزق الروح حتى نصل لحبل النور الذي يوضح لنا طريق العودة ،وتتكرر تلك الرحلات من حين لاخر كلما اصطدمت الروح بجدار خذلان نفسها مرة أخرى !
اتعلَّم أن في داخل الإنسان تكمن محيطات متعددة محيط العمر،محيط الذاكرة ،محيط المشاعر،محيط الاحلام والاوهام ،محيط المستقبل ولكل منها عمقة وعتمته وأشد الرحلات ظلمة حين تغوص بين تلك المحيطات فتخرج من عتمت أحدها حتى تدخل بالأخرى  وكل ذلك على حسب نوعية تذكرة تلك الرحلة من موقف وحدث وظرف !
القطار :وكأننا نهرب من ألام الأخرين وإيلامهم معنا لنتصارع مع أوجاعنا بصمت وبعيدا عن مرئي اعينهم خوفا من أن يلمح ضعفنا رغم اننا أمامهم ولكننا لسنا في عالمهم !
وريد :هو كذلك ، المكان هنا جميل ليتنا نعود لسيرتنا الاولى انا حفنة طين في عمق الأرض وانت قطعة حديد في باطنها !
القطار:ليت تلك تجلب الحسرة نحن هنا وانتهى الأمر !
وريد :كيف أقوى على تركك وحيدا هنا !!!
القطار :أبعد كل ما رأيتي في أعماقي تظنين أنني وحيد !!!
أما بالنسبة لعدم مقدرتك  على تركي فأنا كنت هنا منذ زمن طويل قبل أن تأتي ولن يتغير ع حالي شئ !
وريد :لكن القلق صادر مني لأني لم أعلم بوجودك هنا من قبل وبعد ان علمت وسمعت وشاهدة فواجبي ان أكون قريبة منك ولذلك سوف أعود لأطمئن عليك من قريب او حتى من بعيد المهم أن أشعر أني لم أتركك بعد أن إقتربت منك  
القطار :سأكون هنا على أيه حال فأنا لا املك قدرة لتغيير مكاني والهرب منك ومن قلقك الغير مبرر !!
وريد :لقد أشعلت في أعماقي قنديلا يكشف لي الكثير مني في سماحك لي بدخول أعماقك وفتحت نوافذ عقلي على العديد من الأفكار ، أشكر الصدفة التي صدفتني بك وكن بخير يا معلمي .
القطار وانا ايضا أشكر روحك المنصته التي سمحت لي بالإستيقاظ بعد سبات طويل أما الأن سأعود للنوم حتى لقاء أخر !    
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق